ابن عربي
155
شجون المسجون وفنون المفتون
واحد ، فليس « 1 » كذلك ، إذ لا إبداع إلا لما لم يكن ، والمبدع فقير ، فالإنسان أبدع له قدرة على الكلام والسّكوت ، وتكون القدرة موجودة مع عدم الكلام على الكلام ، لأنّ ذلك مقرون « 2 » بالمشيئة ، والمشيئة من الإنسان مقرونة « 2 » بغرض ، ولمّا كان ذو الغرض ، وهو الإنسان ، فقير إلى غرضه ، وقف العقل وانحطّ عن إدراك مشيئته من فاعل قادر لا عبثا ، وهو غنيّ إذ ذاك فوق قوّة العقل ، وليس في قوته أن يدرك ما ليس في قوّته ، ومن هاهنا تقدّم الأنبياء على العقول ، فليتأخّر العقل هاهنا وليسجد . مثال : كما أنّ البصر عاجز عن إدراك كثير من الموجودات كالمسموعات والمشمومات مع قدرته على ما خلق قادرا عليه من المبصرات من حيث هو هو ، فكذلك العقل يعجز عن إدراك كثير من الموجودات مع قدرته على ما خلق قادرا على إدراكه من حيث هو هو ، فلا تغترّ ، فإنّ العقل مجبول على التّحلّي بكلّ كمال من منع التعرّي عنه ، فلا يعترف بالعجز ، بل يخوض فيما يجوز ، وفيما لا يجوز له الخوض فيه . برهان على ما تقدّم : العقل عاجز عن إدراك عجزه الحقيقي ، وأين هذا من إدراك العلم الأزليّ ؟ زيادة : اعلم أنّ جميع الموجودات بالإضافة [ إلى العرش كالذّرّة ، بل والذّرّة بالإضافة إلى العرش شيء ما ، والموجودات كلّها بالإضافة ] إلى العلم ليست شيئا أصلا ، فما للعميان والسّؤال عن حقائق الألوان ؟ عذر وتفهيم : قد علمت أنّ كلّ ما يدرك العقل بالألفاظ المشار بها إلى الصّفات الذّاتية ، فكذلك
--> ( 1 ) في م : « فليس الأمر » . ( 2 ) في م : « معذوق ، معذوقة » .